شهر رمضان

خطوط
Powered by Spearhead Software Labs Joomla Facebook Like Button
الدكتور محمد وراضي - ريحانة برس
   مقدمة هذه المادة تستدعي مني استحضار آية من سورة "الأنعام" التي تقول: "ما فرطنا في الكتاب من شيء". والكتاب في رواية هو اللوح المحفوظ، الذي كتب الله فيه كل ما وقع وما سوف يقع من الحوادث.

تعلقت بالطبيعة أو تعلقت بمختلف موجودات العالم. وفي رواية أخرى، الكتاب هو القرآن الكريم، بحيث إنه بمقدورنا أن نستنبط منه ما يفيد بأن الله عز وجل، لم يغفل أي شيء يخصنا كبشر في حياتنا الدنيوية والأخروية. والشيء كما هو معروف، كل ما يمكن تصوره، كان ماديا محسوسا، أو كان معنويا مجردا على حد سواء.

   فالله تعالى لم يترك كل ما يتعلق بديننا ودنيانا إلا وذكره في كتابه المبين، إن بالتصريح وإن بالتلويح الذي يدركه المؤولون لآياته، كما يفهم من قوله سبحانه: "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تاويله وما يعلم تاويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب".

   وأولو الألباب في الآية، هم المتمتعون بالعقل المنطقي السليم، دون الانغماس في التقليد إلى حد أنهم يردون أمر الله بممارسة التفكير والتأويل. فإن أخبرنا بأنه لم يغفل في كتابه أي شيء يتعلق بنا، فمعناه أن كل ما يخصنا بالفعل وارد في خطابه تعالى إلى البشرية جمعاء، باعتبارنا مخلوقين من طين، ومزودين بوسائل للاتصال بالعالم الخارجي. وهذه الوسائل تعرف بالحواس الخمس، وحتى نواصل التمتع بحياتنا، من بدايتها إلى نهايتها، زودنا بكل حاجياتنا، وحدد لنا ما هو نافع منها وما هو ضار. ومن جملة ما هو ضار، الإسراف في الطعام الذي حذرنا منه بوضوح حين يقول: "كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين". بحيث إنه جسد أمامنا ما يعد من ثقافة المحافظة على صحة أبداننا.

   وصوم رمضان بدلائله أو بمغازيه، لا يخرج عن مضمون قول الله المتقدم: "ما فرطنا في الكتاب من شيء". ودلائله ومغازيه هي التي وعدت نفسي قبل غيري بتوضيحها ليدرك المؤمنون الصادقون، مدى رعاية رب العالمين لمخلوقاته عامة، وللإنسان خاصة. هذا الذي خلقه في أحسن تقويم، وأمده بكل ما يمكنه من الاحتفاظ على سلامته واتزانه، من خلال ما يتناوله من أطعمة، ومن خلال ما يتناوله من أشربة. وكلا هذان المغديان المقويان لأجسادنا وعقولنا، يزخر بذكرهما الكتاب والسنة. وقد نحتاج إلى الاستشهاد بهما في هذه الحلقات التي نرغب في أن يتعامل أبناؤنا وبناتنا معها تعامل من يرغب في فهم مقاصد الشريعة، جملة وتفصيلا، حتى لا يعتقد قراء هذه الحلقات بأن الدين لا يوفر للإنسان أدوات ووسائل لتحقيق السعادة التي هي مطلب أساسي لعامة الناس في كافة أرجاء المعمور.

   ورمضان الذي قدمنا له هذه المقدمة المخاطبة للعقول والوجدانات، حتى لا يمر علينا كشهر دون الاستفادة منه، لأننا متى استفدنا منه، نكون مطمئنين إليه ومتشوقين لعودته الميمونة، مدفوعين بما تم لنا من خلاله تحصيله. خاصة وأن المحصولات الإيجابية التي ترتاح إليها نفوسنا حسا ومعنى، سوف تحملنا على صيام أيام أخرى غير أيام شهر رمضان الأبرك، فيقوى لدينا حينها الاقتناع بأن الإيمان يزيد وينقص، لأن العبادات جميعها، متى تم أداؤها بصدق وإخلاص ومثابرة، إلا وتقوي إيماننا وتشد أزرنا كمؤمنين مخلصين، مصداقا لقوله سبحانه: "من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه"، ولقوله تعالى: "ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا".

   فما هو رمضان؟

   إنه الشهر التاسع من السنة القمرية بين شعبان وشوال. أيامه 30 يوما. وهو شهر الصيام عند المسلمين على وجه الخصوص. والصوم لغويا معناه الانقطاع عن الطعام، أو الامتناع عن الأكل والشرب. واصطلاحا معناه: الكف عن شهوتي البطن والفرج، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهو عندنا من الأركان الخمسة التي بني عليها الإسلام. والأركان هنا تعني قواعد أو أسس البناء. مما يدل على أن البناء المؤسس عليها نظري وتطبيقي، مما يقوي مدلوله متى تم تجنب تهديد أي ركن من أركانه بالهدم، على مستوى الفرد، وعلى مستوى الجماعة. مع العلم بأن الاستهانة بالأركان كلا أو جزءا، أو عدم اعتبارها في السلوك اليومي لأي مسلم، يؤدي إما إلى الإفراط الذي يفسر بالمغالاة، وإما إلى التفريط الذي يفسر بالتقصير. وكلاهما – كما هو بين – مرفوضان عقلا ودينا على حد سواء.

متى نشرع في صوم رمضان؟

 هل نشرع في صومه لمجرد ثبوت رؤية الهلال في آخر يوم من أيان شهر شعبان؟ أم نشرع في صومه مع أول وجبة سحور نتناولها في اليوم الموالي لرؤيته، ما دام هذا اليوم الموالي غير اليوم الذي سبقه، بحكم أن اليوم يبدأ بعد منتصف الليل، ويستمر حتى غروب الشمس؟

   جاء في القرآن الكريم: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه". وفعل شهد هنا له معنيان: رأى، وحضر. يعني رأى الهلال رؤية العين. أو حضر في البلد حينما تمت رؤيته، سواء من طرفه، أو من طرف غيره، تمت الرؤية حيث هو مقيم، أو تمت في بلد سافر إليه، وبقي فيه إلى أن أدركته مشاهدة هلال شهر رمضان.

   وقد يحضر أو يشهد الهلال أحدنا وهو في مالي على سبيل المثال، ثم يصوم اليوم الأول من رمضان بها، وهو الموافق ليوم الخميس، وبعد أسبوع حضر إلى المغرب الذي لم يشهد فيه الهلال إلا يوم الخميس، بحيث يكون يوم الجمعة أول يوم لصيام المغاربة، مما يعني أنه صام يوما زائدا على أيام صيام مواطني بلده، وهو في هذه الحالة بين احتمالين: أن يأتي يوم العيد موافقا لكونه صام ثلاثين يوما، أو يأتي موافقا لكونه صام واحدا وثلاثين يوما. وفي هذه الحالة ما الذي عليه فعله؟ هل يعتبر اليوم الأخير في رمضان بالمغرب عيدا بالنسبة إليه، بحيث يخالف باقي المغاربة في الاحتفال الفردي بعيد الفطر؟؟؟

   إنه موضوع جاهز لفتوى علمائنا؟ فما الذي يقوله المجلس العلمي الأعلى عندنا بخصوص هذه الحادثة؟ خاصة وأن الإفتاء غير مقبول إلا في الإطار الرسمي المذكور قبله، مع الإشارة إلى أن في الصلاة مسبوقا بركعة أو حتى بركعتين في صلاة الظهر والعصر والعشاء؟ والمسبوق هنا هو المتأخر عن الدخول في الصلاة مع الجماعة. أما صاحبنا فيعتبر سابقا لا مسبوقا؟ فهل له أن يسلم قبل أن يسلم الإمام والمأمومون خلفه؟ أو أن ينتظر حتى يتم الإمام ومن معه الصلاة ثم يسلم؟ وكأنه في هذه الحالة مسافر يجوز في حقة التقصير، بحيث إنه يؤدي ركعتين في الظهر، ويظل مكانه إلى أن يسلم الإمام فيسلم معه؟

   فما هو الحل الشرعي يا علماءنا لهذا المشكل المطروح؟ هل يعيد من صام اليوم الأول من رمضان في مالي بعد أن يكون قد أنهى بالمغرب ثلاثين يوما من الصيام بالتمام والكمال؟ أم يصوم واحدا وثلاثين يوما ثم يعيد مع المغاربة؟

     بخصوص رؤية هلال شهر رمضان، في السنوات الأولى لظهور الإسلام، لم تكن الدولة الوليدة الفتية متسعة الأطراف، ثم تحولت بالتدريج إلى إمبراطورية عظمى، مما فرض وضعا جغرافيا يقضي بحكم الآية المتقدمة أن يصوم سكان مناطق محددة رمضان، قبل أن تصومه مناطق غيرها قريبة منها أو بعيدة، خاصة وأن الفارق الزمني بين الدول، يفرض الامتثال للوارد في الآية المذكورة قبله. إضافة إلى أن الوضع العالمي كان مغايرا تماما لوضعه الحالي، في مجال التواصل والاتصال وسرعة التخاطب المؤكد المنظم، بفضل وسائل الاتصال الحديثة المتوفرة.

   ولطالما سمعنا ظهور هلال رمضان في بلدان، بين توقيتنا وتوقيتها ثلاث ساعات، أو أقل، أو أكثر، فضلا عن كون رؤية الهلال في منطقة ما داخل حدود دولة بعينها، قبل عصرنا هذا الذي نعيش فيه، يجعل أهلها يصومون، قبل أن يصوم غيرهم في منطقة أخرى، داخل نفس الحدود الجغرافية. فقد يشاهد ساكنة شمال المملكة هلال شهر رمضان مساء يوم الخميس، لكن ساكنة سوس لم يشاهدوه إلا مساء اليوم الموالي: يوم الجمعة. فصح أن منطقة ما في نفس الدولة، تقيم مراسيم العيد في يوم، هو غير اليوم الذي تقيمه فيه منطقة أخرى.

   ومع مميزات العصر الحاضر، تتدخل الدولة لمراقبة ظهور هلال شهر رمضان، داخل حدودها الإدارية، بحيث إنها تعلن ثبوت رؤيته أو عدم ثبوتها، مما يعني أن ثبوت رؤيته يفرض على المغاربة جميعهم صوم رمضان ابتداء من اليوم الموالي. فتكون وسائل الاتصال المتوفرة من ضمن نعم الله على عباده المسلمين في كافة أرجاء المعمور، مما يعني أن حدثا ما قد يغير عادة بفعل التباعد، تم ترسيخ جذورها في المجتمعات الإسلامية. لكن هذا الحدث الذي هو سهولة الاتصال بين مختلف الجهات، أوجد مادة مهيأة للإفتاء كنازلة من النوازل الفقهية، بحيث إن العلماء انقسموا بصددها إلى فريقين حتى الآن: فريق يرى اعتماد وسائل الاتصال ذاتها لتعميم اليوم الأول من الصيام، بين كافة الدول العربية والإسلامية، كما يتم تعميم يوم ، متى ظهر في سمائها هلال شهر شوال. لكن الفريق الآخر لا يحبذ هذه الفكرة، وإنما يرى – ونحن معه – أن تظل وسيلة الاتصال كنعمة ، منحصر فعلها في كل دولة دولة، إذ أن الفارق الزمني – باعتباره سنة الله في أرضه - يفرض جغرافيا علينا نفسه. لأن المسألة هنا مرتبطة بما يصح وصفه بالسنة الكونية. والعبرة كما نرى هي صوم رمضان، حتى ولو لم يتم باستمرار صيام شهر بكامله، لأننا طالما صمنا تسعة وعشرين يوما. وجواز صوم هذا القدر من الأيام، استفدناه من قول أبي هريرة راويا عن رسول الله ص "الشهر يكون تسعة وعشرين. ويكون ثلاثين. فإذا رأيتموه فصوموا. وإذا رأيتموه فأفطروا. فإن غم عليكم فأكملوا العدة". وهذا حاصل عندنا بالمغرب لمرات ولمرات.

   فلنرحب إذن بشهر رمضان الأبرك، ولنحاول أداءه بكل ما يستدعيه من آداب، بدونها لا يمكن الزعم بأننا قد استفدنا منه.

سجل إعجابك بصفحتنا على الفايسبوك